الشيخ محمد رشيد رضا

243

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وقد كانت الذبائح عند الوثنيين من العبادات يبونها لآلهتهم ويهلون بها لهم ، ثم سرى ذلك إلى بعض أهل الكتاب فخرجوا با بينهم عما شرعت له من كفارة يتب بها إلى اللّه وحده فصاروا يهلون بها للأنبياء والصالحين ، وينذرونها لأولئك القديسين ، وذلك كله من عبادة الشرك فمن فعلها من المسلمون فله حكم من فعلها من أولئك المشركين ، كما تقدم تفصيله في تفسير « ما أهل به لغير اللّه من هذه السورة وسورتي البة والمائدة . وما تأويل بعض المعممين لهم إلا كتأويل من سبقهم من الرهبان والقسيسين . وهل أفسد الدين إلا الملوك * وأحبار سوء ورهبانها والعبادات انما تمتاز على العادات بالتوجه فيها إلى المعبود تبا اليه وتعظيما له وطلبا لمثوبته ومرضاته ، وكل من يتوجه اليه المصلي أو الذابح بذلك ويقصد به تعظيمه فهو معبود له ، سواء عبر فاعله عن ذلك بقول يدل عليه أم لا ؟ فالعبادة لا تنبغي إلا للّه رب العباد وخالقهم ، فان توجه أحد اليه وإلى غيره من عباده المكرمين أو غيرهم مما يستعظم خلقه كان مشركا واللّه لا يقبل من العبادة إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم . إن كون الصلاة والنسك لا يكونان في الدين الحق إلا خالصين للّه وحده أمر ظاهر يعد من ضروريات الدين . وأما المحيا والممات فهما مصدران ميميان بمعنى الحياة والموت ، وزعم الرازي أن معنى كونهما مع الصلاة والنسك للّه أنه هو الخالق لذلك وأن هذا دليل على قول أصحابه الأشعرية ان أفعال العباد مخلوقة للّه وليس للعباد فيها تأثير . وهذا من أغرب ما انفرد به من السخف بعصبية المذهب مع الغفلة عن منافاة قوله ( وَبِذلِكَ أُمِرْتُ ) له وعن كونه ليس مما يختلف فيه المؤمن الموحد والمشرك فلا يصح أن يكون هو المراد في بيان تير حقيقة التوحيد . والمتبادر أن معنى كون حياة الرسول ( ص ) وموته - وكذا من تأسى به - للّه وحده هو أنه قد وجه وجهه وحصر نيته وعزمه في حبس حياته لطاعته ومرضاته تعالى وبذلها في سبيله ليموت على ذلك كما يعيش عليه . وفي الكشاف أن معناه وما آتيه في حياتي وما أموت عليه من الايمان والعمل الصالح كله للّه رب العالمين . زاد البيضاوي : أو طاعات الحياة والخيرات المضافة إلى الممات كالوصية والتدبير « 1 » أو الحياة والممات أنفسهما اه ويزاد في الاعمال التي تضاف إلى الموت كل ما يبتديء

--> ( 1 ) التدبير العتق المعلق على الموت